الشيخ السبحاني

29

رسائل ومقالات

2 . لأنّه كلّف أبا لهب بالإيمان ، ومن الإيمان تصديق اللَّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه ، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن ، فقد كلّفه بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن ، وهو تكليف الجمع بين الضدين . « 1 » يلاحظ عليه : أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام ، فاستدلّ بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه ، وقال الرازي في بعض كلماته : لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلّا بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها . « 2 » أقول : إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله « 3 » ، وإليك الإجابة عن الدليلين الأوّلين ، أمّا الدليل الأوّل فلأنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق ، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه . وعلى ضوء ذلك فقد تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر ، بلا شعور ، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش ، عالماً بلا اختيار ، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان عن اختيار منه ، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وصدور فعله منه اختياراً ، يؤكِّد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان . وإن شئت قلت : إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة ، ومريدة ومختارة كالإنسان ، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ

--> ( 1 ) . المحصل : 153 ، ط دار الفكر ؛ نقد المحصل : 339 ، ط طهران . ( 2 ) . شرح المواقف : 8 / 155 . ( 3 ) . لبّ الأثر في الجبر والقدر : 150